طيران مؤجَّل _ راضية بن حسن زيتون
طيران مؤجَّل
لم يكن اللقاء متوقّعًا. التقَتْها في مكانٍ لم تتعوّدا أن تلتقيا فيه، فاستغربت حضورها، لكنّ الدهشة لم تمنعها من أن تسرع نحوها، تحتضنها وتقبّلها بلهفةٍ وشوق. لم تكترث لبرود ردّتها، وهي تعتذر عن تقصيرها وبُعدها القسري؛ كان الشوق أكبر من كلّ شيء.
كادت ترافقها، غير أنّها، ودون وعيٍ منها، انشغلت فجأة بأمورٍ تتزاحم بين يديها: ديونٌ تحاول استخلاصها، ومستلزماتٌ غريبة تُسرع إلى جمعها ورصّها في حقيبتها، فيما ظلّت يدها ممسكةً بطفلها، لا تفلته. كانت حركاتها مرتبكة، وخطواتها متسارعة، كأنّها تحاول اللحاق بشيءٍ يتفلّت منها.
وحين رفعت رأسها، وجدتها جالسةً خلف مقود سيارة، تستعدّ للانطلاق. بدا المشهد غريبًا؛ فهي لم تعهدها يومًا تمتلك سيارةً أو تقودها. حاولت أن تتقدّم، أن تعتذر، أن تقول شيئًا يُبقيها، لكنّ الكلمات خانتها. في لحظةٍ خاطفة، انطلقت السيارة، وتركتها في مكانها، صامتةً، مثقلةً بما تحمل.
استفاقت من نومها على انقباضٍ في النفس، ودفء لقاءٍ لم يكتمل. همست:
— أمّي... كم أفتقدك.
ثم أغمضت عينيها، كأنّها تُخاطبها من جديد:
ما زالت أحمالي تُرهقني... أيمهلني الوقت لأتخلّص من ثقلي، أطير نحوك؟
راضية بن حسن زيتون/تونس

تعليقات
إرسال تعليق