حَواجِز _ عادل_أبوالعز_الرحبي
حَواجِز
ـــــــــــــ
لم تكن قد أكملتْ عامها السادس بعد؛
وحيدةُ والديها… ووحيدةُ عالمها.
كانت غرفتها تعجُّ بالألعاب،
لكنها — على كثرتها — عجزتْ أن تملأ ذلك الفراغ الصغير في قلبها.
جلستْ بين دُماها، تحادثها كأنَّها تُصغي، وتبوح لها كأنَّها تفهم،
تضحك معها أحياناً… وتلوذ بها من صمتٍ لا يُرى.
تسلَّل الملل إلى روحها،
نهضت بخفَّةٍ وهرعت إلى شاشة التلفاز،
تبحث عن صوتٍ يعوِّض غياب الأصوات.
جلست أمامه، تحدِّق في عوالمه الملوَّنة،
علَّها تعثر على رفقةٍ أقلّ برودةً من واقعها.
فجأة…
تبدَّل كل شيء.
تسرَّب العرق من جسدها الصغير،
واشتعل رأسها بألمٍ حادٍّ،
كأن فكرةً ثقيلة انشطرت في داخله.
تمايلت خطواتها، واتجهت نحو غرفة والديها،
متشبثةً ببقايا وعيها.
دفعت الباب قليلاً… وأطلَّت.
كانت أمها هناك، مستندةً إلى سريرها،
غارقةً في شاشة هاتفها،
كأن العالم كلَّه انحصر في تلك الإضاءة الباردة.
ـــ أمَّاه… رأسي يؤلمني… أشعر بالبرد…
قالتها بصوتٍ خافت،
كأنه يستأذن أن يُسمع.
لم ترفع الأم رأسها كاملاً،
واكتفت بعبارةٍ عابرة:
ـــ اذهبي لتنامي يا صغيرتي… سأأتي بعد قليل.
«بعد قليل»…
عبارةٌ صغيرة،
لكنها بدت لها أطول من قدرتها على الاحتمال.
انسحبت بصمت،
واتجهت نحو غرفة الجلوس.
كان والدها هناك، غارقاً في شاشة حاسوبه،
يبتسم لشيءٍ لا تراه،
ويكتب بسرعةٍ كأن الوقت يطارده.
توقفت عند المدخل…
حدَّقت فيه طويلاً.
كادت تناديه…
كادت تقول: ـ أنا هنا…
لكنها تذكَّرت صوته حين يغضب،
وصرامته حين يُقاطع.
ابتلعت كلماتها…
كما يُبتلع الألم.
عادت إلى غرفتها،
تجرُّ خطواتها المتعبة،
وارتمت على فراشها.
اشتدَّ البرد في جسدها،
حتى تيبَّست أطرافها،
فالتفَّت بلحافها، ترتجف
كغصنٍ نحيل في مهبِّ ريحٍ عاتية.
ارتفعت حرارتها…
وارتفعت معها وحدتها،
حتى تلاشى وعيها في صمتٍ ثقيل.
كانت تتمتم…
كأنها تنادي…
لكن…
لم يكن هناك من يسمع.
مرَّت ساعات.
ثم دخلت الأم.
اقتربت، سحبت اللحاف،
وضعت يدها على جبينها…
تجمّدت.
نادتها مرة…
مرتين…
ثلاثاً…
لا جواب.
ثم —
أطلقت صرخةً مدوِّيةً،
ردَّدتْ جنباتُ المنزلِ صدَاها…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلمي/عادل_أبوالعز_الرحبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات
إرسال تعليق