الرجلُ الذي رأى العالم _ نزار الحاج علي


 قصة قصيرة
بقلم : نزار الحاج علي 

الرجلُ الذي رأى العالم

​لم يكن "بهجت" مجنوناً، على الأقل ليس بالتعريف الطبي التقليدي. كان فقط يعاني من "قوة ملاحظة مفرطة" تجعله يرى الأشياء المختبئة عن بقية العيون، ستقولون لي: أنها نعمة.

_ لكنها في تلك المدينة الشرقيةالمزدحمة  كانت "لعنة" تُريه العالم كمسرح عرائس أصابه الهياج.

اليوم ومثل كلّ يوم، وعند السابعة صباحاً ​استيقظ بهجت وكأنّه على موعد مع القدر، وقبل أن يتمطى ...مدّ يده بتكاسل واضح ليسكت المنبه، رآه بعينيه شبه المغمضتين وهو يحدق فيه بذهول. وعلى عكس بقية الكائنات البشرية، لم يلعنه...بل ابتسم بوجهه وهو يقول:

كأنك صُدمت بكوني ما زالتُ حياً. 

في المطبخ، أخرج آخر رغيف خبز...كان كالعادة مخبوزاً بشكل سيء، و محترقاً من الأطراف؛ لم يره بهجت فحماً، بل رآه وجهاً متغضناً لرجل عجوز يخرج لسانه له بسخرية.

 قهقه بهجت وهو يدهن الرغيف بالزبدة:

— "لا تتذمر أيها العجوز.. نهايتنا جميعاً هي الابتلاع!"


عند السابعة والنصف و ​في الزحام، توقف سرڤيس النقل المتهالك حيثُ كان محشوراً  مع أمثاله من الثديّات...راكب آخر وسيجد نفسه في حضن السائق... كانت أمامهم سيارة دفع رباعي ضخمة تسدّ عليهم الطريق. 

كان غطاء الصندوق الخلفي موارباً، فبدا وكأنه فم واسع يضحك ببلاهة على منظرهم. لم يستطع بهجت التمالك؛ ضرب المقود بيده وانفجر ضاحكاً:

— "يا إلهي! حتى أنتِ يا علبة الصفيح !"

التفت إليه السائق بنظرة متوجسة، لكن بهجت رأى في تجاعيد جبهتة "خريطة تغنيه عن جوجل ماب"، فضحك أكثر.


​في مكتب المدير "عزمي"، كان الجو مشحوناً برائحة التوبيخ. كان يصرخ بأعلى صوته، بينما بهجت يحاول جاهداً أن يكون جاداً...يحاول أقصى جهده لكي يصرف نظره عن أزرار قميص المدير المشدودة فوق كرشه، كانت  تبدو له كعيون صغيرة مذعورة، تكاد تنفجر من الضغط وتتوسل له أن يطلق سراحها.

حاول  كتم الضحكة.. احمر وجهه.. جحظت عيناه.. وفي اللحظة التي قال فيها المدير: "الشركة تنهار يا أستاذ بهجت!"، انطلقت من فمه مثل انفجار.

ضحك كثيراً وهو يشير إلى أزرار المدير:

— "أرجوك.. ارحم هذه العيون الصغيرة.. إنها تختنق!"

بالطبع وكما هو متوقع في مثل هذا الظرف،

​خرج بهجت مطروداً، يسير في شارع لا يرحم. لمح "عروس عرض" في واجهة محل فاخر، سقط شعرها المستعار فبدت كصلعة فيلسوف. 

وقف أمامها طويلاً...لم يرَ فيها دمية بلاستيكية، بل رآها كائناً وحيداً قرر التخلي عن زيفه. غرق في الضحك باكي...تجمع المارة والجمهور في تلك المدينة البائسة حيث يرتعبون من الشخص الذي يضحك؛ الضحك هنا تمرد غير مرخص، وجريمة خرق للصمت الجنائزي.

​خلف القضبان المريحة في المستشفى، كان الطبيب النفسي يدوّن تقريره بجدية قاتلة.

بينما ​ألقى بهجت بجسده على السرير...نظر إلى قضبان النافذة.

لم تكن قضباناً في نظره، بل كانت أوتار "آلة موسيقية" ضخمة. داعب الهواء بأصابعه كأنه يعزف مقطوعة خفية، وقال بهمس للطبيب الذي يراقبه:

— "هل تعلم يا دكتور؟ صلعتك تعكس الضوء لتبدو ككرة ديسكو في ملهى ليلي.. أرجوك لا تطفئ الضوء...دعنا نرقص.

​أغلق الطبيب الدفتر بأسى، بينما كان بهجت يرقص مع منبه ساعة...صندوق سيّارة ضاحك...وجه على شكل خريطة...عيون صغيرة...صلعة على شكل كرة ديسكو.

يرقص وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه.. ليس لأنه سعيد، بل لأنه أدرك أنه يعيش في نكتتةٍ سمجة، وهو الوحيد الذي  يملك "خفة الدم" الكافية ليفهمها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المجموعة القصصية (شجرة اللحم) للروائي الكبير/ سعيد عبد الموجود.. للناقد/عادل التوني.

جوع مزمن ~ عبد الرحمن مساعد ابو جلال