ترجمة قصة سر الغرفة للكاتب إدوارد فريدريك ينسون _ خالد العجماوي.


 سر الغرفة

قصة قصيرة للكاتب الإنجليزي إدوارد فريدريك بنسون.  


**ترجمة بتصرف/ خالد العجماوي.

*******


أنا كثير الأحلام؛ فلا تكاد تمر ليلة عليّ دون حلم تملؤه الحكايات؛ فالخيال لا ينشأ من فراغ؛ وإنما تأتينا الرؤى من خلال أناس عرفناهم، وأماكن ألفناها وعايشناها حتى انطبعت في دواخلنا وصارت جزءا منا.، وكنت قد تعودت أن  تمر بعض الأحداث في واقعي تماما كما شاهدتها في أحلامي، ولست أجد في هذا غرابة، فقد صادفت أحلاما كثيرة وجدت لأحداثها وقوعا في عالم الحقيقة، تماما كما حدث في ذلك الحلم الذي راودني الأسبوع الماضي، إذ رأيتني أصعد الدرج كعادتي في المساء لأتجهز للعشاء، فأسمع ساعي البريد يدق على باب منزلي، فأهبط الدرج بعد الصعود، وأتلقى خطابا من صديق قديم كنت قد تعودت رسائله لي في عالم الواقع. لكن الغريب أن الخطاب لم يكن سوى ورقة آس الماس، مسطور عليها بخط يده: أبعث بها إليك لضمان سلامتها، حيث لا أمان لها في بلاد مثل إيطاليا! 

وكنت قد اعتدت في عالم الحقيقة أن أتلقى من صديقي هذا رسالة كل أسبوعين تقريبا، فلم أعجب كثيرا حين مر عليّ ساعي البريد في اليوم  التالي، ليبعث لي برسالة من صديقي هذا، تماما كما حدث في حلمي، غير أنها لم تحتو على آس الماس ولا ذلك السطر العجيب الذي قرأته في المنام. 

 لكن ثمة حلم عجيب آخر، غريب وكئيب، كان يراودني كذلك، فيقتحم خيالاتي كروح غامضة، فيؤرق طمأنينتي، ويهيج في نفسي  هواجسها، هكذا دون سابق ألفة أو واقع معاش.كنت في السادسة عشرة حين راودني أول مرة، حيث وجدتني أقف قبال منزل كبير من الطوب الأحمر، يفتح لي خادمه بابه الكبير ، ويدعوني للدخول لأشارك ساكنيه حفلة الشاي بالحديقة. مررنا بردهة بسقف خفيض، مكسوة بالخشب، في وسطها مدفأة، وتطل على حديقة تحوطها الزهور. رأيتني أمام غرباء مجتمعين حول طاولة الشاي، لا أكاد أعرفهم إلا واحد  منهم، هو زميل قديم منذ أيام المدرسة يدعى جاك ستون، والذي عرفني بأمه وأبيه، وأختيه كذلك. كنت مستغربا جلوسي في ذلك المكان، فأنا أعرف جاك بالكاد، فلم يكن صديقا مقربا ولا محبوبا، كما أنه كان قد ترك المدرسة منذ عام أو يزيد. كان الجو قائظا، وكانت نفسي مقبوضة.

على الجانب الآخر من الحديقة رأيت سورا من الطوب الأحمر أيضا، ببوابة حديدية كبيرة، خلفها شجرة جوز ضخمة.  جلسنا في الحديقة نستظل بالمنزل الكبير، وقد صافح عيني صف طويل من النوافذ الكبيرة، حتى استطعت أن أرى من خلالها مائدة طويلة مفروشة بعناية، فوقها أكواب من زجاج وفضة. كانت الحديقة فسيحة، وقد علا في آخرها برج قديم من ثلاثة طوابق. تكلمت السيدة ستون أخيرا بعد صمت طويل، قائلة: خصصت لك غرفة في البرج، وسيريك جاك غرفتك!

شعرت بغصة وأنا أسمعها، وكأنني كنت أعرف أني سأقطن تلك الغرفة الكئيبة. وقف جاك وطلبت أن أتبعه، ومررنا بالردهة ذات السقف الخفيض، وصعدنا درجا خشبيا يصدر أزيزا كصراخ أرواح حبيسة، حتى وصلنا إلى بسطة صغيرة لها بابان. فتح أحدهما وطلب مني الدخول، ثم أوصده خلفي دون أن يدلف معي.

شعرت بالرهبة تحوط نفسي وصدري يضيق، كأن الشياطين تكاد تبلعني، كان ثمة شيء ما معي، مقبض ومخيف، غير أني لم أعرف كنهه ولم أسمع صوته، حتى أفقت من النوم مذعورا.

ظل ذلك الحلم يراودني خمسة عشر عاما: المنزل الكبير بطوبه الأحمر، طاولة الشاي، الصمت الكئيب، صعود البرج، دخول الغرفة المسكونة بالرهبة والخوف، ثم السيدة ستون وهي تقول عبارتها الكئيبة، ثم ذلك الشيء الغامض المخيف الذي أستشعره داخلها ولا أستطيع أن أميزه. كان الحلم يتكرر مع بعض التغييرات في تفاصيله ربما؛ فقد أرانا نجلس حول طاولة الشاي تلك في الحديقة، أو قد أرانا نجلس حول المائدة الكبيرة ذات أكواب الزجاج والفضة. لكنه يظل نفس الرهبة، ونفس الصمت.  رأيتني مرة ألعب الورق داخل قاعة مضاءة بثريات هائلة، بنفس السكون المطبق على الأنفاس، حتى دخلت علي السيدة ستون وهي تقول عبارتها: اخترت لك غرفة البرج، وسيوصلك جاك!  كانت الإضاءة في القاعة قوية كالشمس، ورغم ذلك لم أكد أميز الأوراق التي في يدي..كأن رموزها كلها قاتمة، وبعضها أسود كله، سواد كثيب وقتامة كرهتها. 

وكلما تكرر ذلك الحلم البغيض اكتشفت أماكن جديدة داخل ذلك المنزل. فكان ثمة غرفة في نهاية ممر طويل ينتهي بباب مكسو بقماش مخملي أخضر، مظلمة ويفوح منها رائحة الدخان. كما لاحظت تغييرات في أشكال الناس كلما تكرر الحلم؛ فالسيدة ستون مثلا صارت شمطاء، كما بدا على أطرافها الضعف والوهن، حتى جاك نفسه، صار رجلا ناضجا بشارب، بينما اختفت إحدى الأختين، وقد وقر في نفسي أنها تزوجت. ثم حدث أن كف الحلم عني طيلة ستة أشهر أو يزيد، حتى ظننت أنه قد ذهب دون رجعة، حتى رأيتني في ليلة أزور المنزل من جديد، وأقف عند طاولة الشاي، وألمحهم جميعا متحلقين، وملتحفين بالسواد، ولكن دون السيدة ستون. فهمت السبب، ورقص قلبي من نشوة الفرح، وسعدت لأني منيت النفس أني لن أعود لأسمع صوت السيدة الكئيب، وصرت أتكلم كثيرا، وأضحك ملء شدقي، و هم صامتون،  ينظرون إلى بعضهم من طرف خفي، فجف حلقي وراودني فجأة إحساس مقيت بالرهبة والخوف، والنور من حولي يخفت حتى لأكاد أتلاشى في بحر من الظلمات. أتاني فجأة صدى السيدة ستون الواثق الكئيب وهي تقول: اخترت لك  غرفة البرج..وسيوصلك جاك إليها!

كأن الصوت يأتي من الناحية الخلفية للسور الأحمر خلف البوابة الحديدية، حيث وجهت ناظري خلفها لأجد شاهد قبر  وسط العشب، يحفه ضوء رمادي خافت، ومكتوب عليه " تخليدا لذكرى السيدة جوليا ستون"

رأيتني أقوم من مجلسي وأنا أتبع جاك في صمت، وأصعد الدرج الخشبي بأزيزه الأشبه بالصراخ، ثم أدلف إلى الغرفة وأنا أرتجف. كانت الغرفة أشد ظلمة وأكثر كآبة، ورائحة عفونة تضرب أنفي. أفقت وأنا أشهق فزعا وقلبي يكاد يقفز من بين ضلوعي. 


*******

ظل الحلم يلازمني طيلة خمسة عشر عاما، يأتيني على فترات أحيانا، وقد لا يفارقني طوال ثلاث ليال متتالية، وفي كل مرة كانت المشاهد تتكرر دون اختلاف كبير، وإن ظل قلبي يفزع كأنها أول مرة!

كانت الشخوص تكبر، تشيخ وتشيب، ولا أذكر أني رأيت السيدة ستون قط بعد أن شاهدت قبرها، وربما رأيت ابنتها المتزوجة مرة أو مرتين، وبجانبها زوجها. كان صامتا دوما مثل جاك وأختيه. ورغم غياب السيدة، إلا أن صوتها لم يغب، ظل صداه من حولي ليخبرني أنها اختارت لي الغرفة أعلى البرج، وأن ابنها جاك سيوصلني إليها. لا أذكر أني قابلت جاك طوال تلك الأعوام قط. أسمع صوتها وعيناي ترقبان شاهد قبرها من وراء السور وقلبي ينقبض رعبا، ثم أصحو. كدت أعتاد ذلك الكابوس، لولا ذلك الحدث الذي مر على حياتي فغير كل شيء. 

كنت في لندن ذلك العام حتى شهر يوليو، ثم أقمت مع صديق لي داخل منزل استأجره أوائل شهر أغسطس بمنطقة غابات آشدون. ثم إني غادرت لندن، واتجهت صوب محطة فورست رو، حيث قابلني صديقي القديم جون كلينتون. لعبنا الجولف حتى أرهقنا التعب، ثم ركبنا  سيارته حوالي الخامسة مساء لنقطع مسافة عشرة أميال حتى وصلنا إلى منزله. كان الطقس قبل رحلتنا حارا ورطبا، منعشا بعض الشيء، ثم إنه تغير أثناء طريقنا فصار حارا خانقا وكئيبا، كأن عاصفة توشك أن تهب علينا. انقبض قلبي وشعرت بتوجس غريب. أخبرت جون بما يتملكني من شعور، فابتسم ساخرا مني، ورأى أن توجسي سببه خسارتي أمامه أثناء النهار. 

كان الطريق ضيقا ووعرا، فأسلمت جفني للنعاس حتى تنتهي رحلتنا، فما أفقت حتى توقف محرك السيارة فجأة. فتحت عيني لأجد ذلك المنزل الأحمر الكبير أمامي!

شككت أني أحلم. عبرنا قاعة مكسوة بالخشب، بسقف خفيض، وصلنا إلى حديقة كبيرة، وسرنا تحت ظل المنزل حتى وجدنا طاولة الشاي، كانت الحديقة تحوطها الزهور، وكان ثمة سور أحمر ببوابة حديدية، وخلفه شجرة جوز ضخمة. وكان ثمة برج قديم على أحد طرفي المنزل. برج من ثلاثة طوابق.  

مشهد يكاد يطابق أحلامي، إلا أن وجوه الشخوص مألوفة، مبتهجة ومرحة، لا صمت ولا سكون، ولا ذلك الشعور البغيض بالانقباض والكآبة!

احتسينا الشاي مبتهجين،  ثم إن السيدة كلينتون وقفت في الأخير، وقالت عبارتها الغريبة: اخترت لك الغرفة أعلى البرج، وسيوصلك جاك إليها! 

انقبض صدري، وتملكني الحلم بكل رعبه ومخاوفه. حاولت نفض مشاعري كي أبدو طبيعيا، استدار جون نحوي، وأشار بعينه إلى الغيوم فوقنا، ثم إلى أعلى البرج،  وهو يقول:

- يبدو أنك على حق، ثمة عاصفة قادمة، ما رأيك أن نذهب سويا لترى غرفتك أعلى البرج؟ 

قام من جلسته، واتبعته صامتا. مررنا بالقاعة الخشبية، وصعدنا الدرج الخشبي. فتح الباب ودخلت. تملكني الخوف. شعور محض وخالص لا يشوبه أي شعور آخر. استجمعت نفسي، وقررت أن أنفض عني هواجسي، نظرت عبر نافذة الغرفة لأجد شاهد القبر  الذي طالما رأيته في أحلامي، بتلك العبارة المكتوبة عليه، والإضاءة الرمادية الخافتة: (ذكرى السيدة ستون)

نظرت حولي، كأني أعرف الغرفة منذ عمر طويل، كل شيء في مكانه مثل الحلم تماما،: السرير على يسار الباب ورأسه عند الزاوية،  موقد، ومكتبة صغيرة، وعلى الجهة المقابلة نافذتان بينهما منضدة، ثم حامل الغسيل وخزانة. وجدت حقيبتي قد فتحت، وملابسي معلقة على حامل الغسيل، بينما بسط أحدهم ملابس النوم فوق السرير. فاجأتني صورة غريبة، لم أكن أراها في أحلامي قبلا، لوحة زيتية بالحجم الطبيعي  للسيدة ستون، وصورة تخطيطية أخرى لجاك ستون، بمظهره الأخير في أحلامي، وإن بدا رجلا ثلاثينيا، قميئا وخبيثا. كانت صورته معلقة بين النافذتين، تنظر مباشرة إلى صورة السيدة ستون، المعلقة بجانب سريري. شعرت بهما يتحلقان حولي. كدت أختنق من الرهبة. صورة السيدة ستون تشبه شكلها في أحلامي، عجوز وشمطاء، أطرافها هزيلة وجسدها ضعيف، لكنها كانت تبتسم بمكر عجيب، وفي وجهها بعض من النشوة، ويداها فوق ركبتها وكأنهما ترتجفان في كبت خفي، بينما عينها تشع حيوية غريبة، شرا محضا، بريقا ينفث طاقة سوداء، حيوية ليست مثل الحياة، وإنما أشبه بفوران الموت! لمحت توقيعا أسفل الصورة (جوليا ستون)

سمعت طرقا على الباب، كان جون كلينتون..


* يتبع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المجموعة القصصية (شجرة اللحم) للروائي الكبير/ سعيد عبد الموجود.. للناقد/عادل التوني.

جوع مزمن ~ عبد الرحمن مساعد ابو جلال