استعجلت الرحيل _ أمجد يعقوب


 قصة قصيرة


استعجلت الرحيل


الشاحنات تصل تباعاً، كأنها مواسم صغيرة تهبط على ساحة لا تعرف السكون.

تُفتح الأبواب الخلفية، فتفيض منها ألوان الأرض: خُضرةٌ، وحُمرةٌ، وصُفرةٌ، وروائح تختلط بين الطازج والمتعب.

وهناك… 

بين صخب الباعة ونداءات السماسرة، 

يبدأ المشهد الذي كنت أعرفه جيداً.


عمر…

لا يقترب مباشرة، 

يدور أولاً، يراقب، يتردد، ثم يظهر فجأة أمامي، 

كأن حضوره سؤال لا يريد أن يُقال بصوت.


كنت أنزعج.

ليس لأنه فقير، ولا لأن ما سيأخذه سيُنقص من رزقي. بل لأن في عينيه شيئاً يشبه الانتظار الدائم،

ذاك الانتظار الذي كنا نظن انه قد “يقطع الرزق”.

"كأنّ ذلك الاعتقاد شريعة نزلت من السماء، 

بينما الحقيقة أننا نحن من كتبناها على الأرض."


كنت أشيح بوجهي أحياناً، 

وأتظاهر بالانشغال أحياناً أخرى، 

وأعطيه أحياناً… فقط لينتهي المشهد.

لكن المشهد لم يكن ينتهي، كان يتكرر كل يوم بنفس التفاصيل، حتى صار مألوفاً إلى حد الملل.


في الطرف الآخر من السوق، 

كان علوان…

نسخة أخرى، لكن بصمت أكثر.

كأن الفقر لا يأتي وحده، بل يصطحب ظلّه معه.


كانا يتقاسمان السوق بينهما:

هذا يراقب هنا، وذاك يراقب هناك،

ونحن في المنتصف… نضيق بهما، 

دون أن نفهم لماذا.


مرت شهور، وربما سنوات… حتى صار عمر جزءاً من المكان، مثل صندوق مكسور، أو جدار قديم،

نلاحظه… لكننا لا نفكر فيه.


إلى أن جاء ذلك اليوم…

كنت في السيارة، أنا وشريكي، في طريق سفر.

الطريق طويل، والحديث متقطع، 

ثم رنّ الهاتف: "مات عمر"


هكذا، ببساطة…

جملة قصيرة، 

لكنها سقطت في داخلنا كحجر في بئر بلا قاع.

ساد الصمت فجأة، ذلك الصمت الذي لا يشبه الهدوء، بل يشبه شيئاً انكسر داخل السيارة.


خفّف شريكي السرعة قليلاً، ثم التفت نحوي دون كلام، نظرت إليه، ونظر إليّ.

كانت النظرات غريبة، كأن كل واحد منا يعرف تماماً ما يدور في صدر الآخر، ولا يريد أن يسمعه بصوت.


رأيته يشيح بعينيه سريعاً، كأن خبر موت عمر أعاد أمامه عشرات المرات التي عبس فيها بوجهه،

وفي اللحظة نفسها، كنت أشعر أنه حين ينظر إليّ،

يراني شريكاً كاملاً في ذلك الذنب الصامت.

لم نتبادل الاعتراف، لكن السيارة امتلأت به.

كان بيننا رجلٌ ميت، يجلس بصمت ثقيل، 

ويجعل كل واحد منا يتذكر…

كم كان حيّاً، حين كنا نتمنى أن يبتعد فقط.


لم أجد شيئاً أقوله، 

في تلك اللحظات…

لم أتذكر إلحاحه، ولا دورانه، ولا ضيقي منه.


تذكرت فقط:

كم مرة عبست في وجهه.

كم مرة تجاهلت نظرته.

كم مرة أعطيته لأتخلص منه، لا لأجله.


تمنيت وبقوة…

لو أنني أعطيته من كل شاحنة، لا من باب الصدقة، بل من باب الاعتذار الذي لم أقله.


غريب…

"كيف نُسيء فهم الأحياء، ثم نُحسن الشعور نحوهم بعد أن يصبحوا تحت التراب."


تمضي الأيام، وصار في السوق شيء ناقص.

لم يكن صوته عالياً، ولا حضوره طاغياً، لكن غيابه كان واضحاً، كفراغ في جدار كنت تتكئ عليه دون أن تدري.


لا أعرف…

هل كان عمر باباً للخير؟

أم مرآة كنا نرى فيها قسوتنا؟


الآن… حين تصل الشاحنات،

أجد نفسي أبحث عن علوان، 

أراقبه كما كان يراقبني، وأنتظر ظهوره،

بل أكاد أفرح حين يقترب.

لم أعد أنزعج، لم أعد أخاف أن “يقطع الرزق”.

صرت أخاف شيئاً آخر. 

وفي كل مرة أعطيه، لا أشعر أنني أتصدق عليه، بل كأنني أدفع ديناً متأخراً لشخص رحل، ولم ينتظرني حتى أتعلم.


لكن الحقيقة التي لا أحب أن أقولها لنفسي هي:

أنني لا أحسن إلى علوان لأجله هو، 

بل لأنني أخاف…

أخاف أن يرحل هو الآخر، 

قبل أن أسدد ما بقي في ذمتي من ندم.


أمجد يعقوب

العراق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المجموعة القصصية (شجرة اللحم) للروائي الكبير/ سعيد عبد الموجود.. للناقد/عادل التوني.

جوع مزمن ~ عبد الرحمن مساعد ابو جلال