أفل قمره _ فاطمة بن صابرة


 أفل قمره

بعيدا عن صخب المدينة، حيث نشأ أحمد في عائلة ميسورة. كان بيته دافئا، فروع العائلة باسقة وهو الجوهرة المكنونة التي تتوسط العقد. الحب والحنان يغلفانه من مهده، والطموح يسكن عينيه الصغيرتين كسراج لا ينطفئ. كانوا يرونه القمر الذي سيضيء مستقبلهم رسموا له الدرب بالدعاء والأمل الممدود.


في العاشرة من عمره، في يوم عادي يشبه كل الأيام، كان يركض نحو حلمه. ضحكته تسبق خطواته، وحقيبته المدرسية تتأرجح على كتفه. وفجأة، توقف كل شيء. صمت ثقيل سقط على البيت. لم يستوعب أحد ما حدث. في غمضة عين، كان القدر جلادا بلا قاض .


 تمزق الصبي كتمزق الشرايين، فهجره الذكاء وغلفه الذهول الطاغي. انطفأ السراج، وأصبح الدرب ظلاما دامسا. أفل قمر كان يزهر قبل ميلاده.


جلست أمه إلى جواره، تلمس جبينه البارد وجسده الضعيف الذي يشتكي عجز الطعام والشراب. همست له والدمع يخنقها، والصوت منهزم: "كنت جوهرتي المكنونة في فروع العائلة الباسقة. والعلم سراجك، والشغف بلا حد. جاء اليوم الذي دفنوا فيه حلمك في أول المنعطف. يا علم عجزت، ويا طب خذلت روحا سكنت. نبض يبكي شمعة ذابت، فغشاه الحزن الأبدي وعاش في الفراغ."


أحدث قلبي الجريح في صمت الليالي. ما زال تحت الرمل يلهب وجداني. وبكل ليلة أرفع يدي والسؤال للعليم: رباه... كانت الدنيا ضياء تحتضنه، وفجأة غلف السواد السراج بعتمة فلم أعد أشعر بشيء سوى لهيب يحرقني. الحزن صار كفني قبل أوانه، والألم هو نفسي ونبضي.


رباه، ما لي أحد سواك يرفع بلواي. لا باب مفتوح للأفق على الأمد سوى بابك، والوصال إليك يظل ممدوداً. فلا يأس يستوطن قلب مؤمن، ولا حزن ترضاه لعبدك الضعيف.


فاطمة بن صابرة / الجزائر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المجموعة القصصية (شجرة اللحم) للروائي الكبير/ سعيد عبد الموجود.. للناقد/عادل التوني.

جوع مزمن ~ عبد الرحمن مساعد ابو جلال