أوامر تعسفية _ يحيى محمد سمونة
أوامر تعسفية
تتقدم الحافلة منطلقة نحو هدفها المنشود مسرعة، أما أنا كراكب لتلك الحافلة فرويدا رويدا أرجع بخاطري نحو الوراء ألملم أوراق اعتمادي، أعيد إصلاح ما فسد منها ثم أضعها بين يدي مستقبلي على تخوف وتضرع ورجاء
الرائد "سلامه" سليل جبل العرب كان قد أمرني بحلق لحيتي مهددا إياي إن لم أحلقها فستكون العاقبة وخيمة
ها أنا ذا حلقت لحيتي ليس تراجعا أمام تهديدات الرائد سلامه بل لأن ذلك أضحى واجبا تقتضيه ضرورات المرحلة
ها قد اقتربت من مفرق تل الكردي، أي بعد قليل سوف أغدو داخل أسوار وحدتي العسكرية تلك الوحدة التي تجرعت فيها مرارة الطائفية ونظرتها المريضة التي تحتاج إلى عمل جراحي، وربما استدعى الأمر البتر
تراها كيف ستكون آراء عناصر المهجع لحظة مشاهدتهم إياي بلا لحية؟ وكيف هي ردة فعل رائد "سلامه" وهو يلاحظ تجردي من اللحية التي كانت تزين وجهي؟! تراه هل سيظن أنه انتصر علي وأطاح بمعتقدي؟ تبسمت في سري وأنا أقول هيهات لمثله أن ينتصر، لكنها الأقدار شاءت أن أسمع كلمة الدكتور عبدالله وهو يوجهني بضرورة حلقها
وثمة سؤال آخر يشغل تفكيري الآن، وهو: هل سأصرح بفقد هويتي العسكرية؟ أم أخفي هذا الأمر؟
ترجلت من الحافلة، ولعل ساعة مسير على الأقدام في أرض جرداء لا ظل فيها ولا ظليل يبعث في النفس كربا وهما، فيما خطواتي لم يزل يرهقها جهد فكري يلازمني، فأنا الآن أسير كالأموات، أردد بصوت مسموع بيتا من الشعر يقول "تعب كلها الحياة وما أعجب إلا من راغب في ازدياد"
تذكرت البون الشاسع بين جندي يعاني شظف العيش في حراسة الوطن، فيما قيادته تعيش في غرف مكيفة وارفة الظلال وتراها "تقرقع المتة"
أذكر أنه حين كنا في اختبارات الرياضة وكان علينا أن نعدو لمسافة ثلاثة كيلو مترات، اقترب أحد عناصر الكتيبة من الرائد سلامه وقال له بأن قدماه لا تساعدانه على الركض، فما كان من الرائد إلا أن سخر منه، وقال له: "أراك تكذب فيما تقول، وعليك أن تركض رغما عنك، وكتيبتي ليست دارا للعجزة"
وحين ذكرت هذا المشهد لأحد أصدقائي قال"حياتنا الجندية في هذا الجيش مثقلة بأوامر تعسفية خلت من أريحية و تفاهمات"
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس 165

تعليقات
إرسال تعليق