عَابِرُ سَبِيلٍ _ عادل_أبوالعز_الرحبي


 عَابِرُ سَبِيلٍ

ـــــــــــــــــــ


في طريقٍ جبليٍّ يلتفُّ كأنه سؤالٌ قديم بلا جواب،


كان يسير برفقة عمِّه نحو قريةٍ مجاورة، حيث ينتظرهما عملٌ يوميّ في البناء لا يترك لهما رفاه التأمل ولا ترف التأجيل. الشمس تميل إلى الصمت، والريح تمرُّ خفيفة كأنها تخشى إيقاظ ما في الجبال من توترٍ خفي.


على تلٍّ صغيرٍ يطلُّ على الطريق، كان مسلحون يتمركزون، يفرضون على المكان حضوراً ثقيلاً لا يُرى بقدر ما يُحَسّ.


كان العمُ يهمس وهو يرمق الطريق بحذرٍ متوتر:


ــ علينا أن نكون حذرين... قد يطلق أحدهم النار دون تفكير.


لكنه  كان يمضي بخطى أكثر طمأنينة، وكأن قلبه لا يعرف معنى الارتباك:


ــ إنهم ليسوا أعداء يا عمّ… إنهم هنا لحمايتنا، لا للاعتداء علينا. لا داعي لكل هذا الخوف.


لم يكن بينهما جدالٌ بقدر ما كان اختلافُ نظرةٍ إلى العالم.


حين تجاوزا محاذاة التلّ، دوَّى صوتٌ حادٌّ يأمرهما بالعودة من حيث أتيا.


توقّفا لحظة، ثم استدارا في هدوءٍ مطيع، كمن لا يملك إلا أن يمتثل لسلطة المكان.


لكن الطريق الذي أعادهما، لم يكن أقلّ قسوة.


فما إن وصلا إلى محاذاة التلّ مجدداً، حتى انفتح الهواء على وابلٍ من الرصاص، كأن الجبل نفسه قد قرر أن يختبر صمتهما.


تعثّر الشاب فجأة، وشعر بشيءٍ ما يخترق كتفه ثم يستقرُّ في صدره.


لم يكن الألم وحده ما باغته، بل ذلك الإدراك الصادم بأن الطريق انتهى قبل أن يبدأ.


سقط أرضاً، وابتسامةٌ شاحبة ترتسم على وجهه دون إرادة، بينما كان عمُّه يركض أمامه في ارتباكٍ لا يلتفت فيه إلى ما خلفه.


في تلك اللحظة، لم يكن يرى الجبل ولا الرصاص ولا الرجال فوق التلّ… بل كانت ذاكرته تنسحب إلى بيته البعيد، وطفلته الصغيرة وهي تتشبثُ بإزاره عند الصباح، وتطلب منه أن يعود في المساء مصطحباً معه ذلك الفستان الذي وعدها به.


أراد أن ينادي عمَّه، أن يقول شيئاً يطمئنه، أو يعتذر، أو يودِّع… لكن صوته كان قد غادره قبل الكلمات.


صار جسده كلّه ثقيلاً، إلا عينيه، ظلَّتا تريان العالم بوضوحٍ مؤلم.


ثم بدأ الضوء يتبدَّل.


كأن العتمة تنفتح على عتمةٍ أعمق، ثم تتراجع فجأة أمام خيطٍ نازلٍ من السماء، شعاعٍ ناعمٍ يشقّ الفوضى بصمت.


شعر أنه لا يسقط، بل يُنتزع من مكانه ببطء، كأن شيئاً غير مرئيٍّ يخفِّفه من الأرض. ارتفع عالياً في صمتٍ غريب، فيما ظلَّ جسده هناك، ساكناً، بعيداً، صغيراً على التراب.


من علٍ، كان يرى جسده، والطريق، والعمّ الذي لا يزال يركض، وكل شيءٍ يتلاشى شيئاً فشيئاً داخل عتمةٍ تتراجع كصفحة تُطوى.


ثم اختفى كل شيء، لم يعد يرى إلا ذلك الضوء الذي يصَعَدُ به.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بقلم/ عادل_أبوالعز_الرحبي


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المجموعة القصصية (شجرة اللحم) للروائي الكبير/ سعيد عبد الموجود.. للناقد/عادل التوني.

جوع مزمن ~ عبد الرحمن مساعد ابو جلال