طابق خامس _ ماجد القيسي
طابق خامس
بقلم : ماجد القيسي
في اليوم السابع من صمت لورا، وجد أندريه نفسه واقفاً أمام بنايتها القديمة عند التاسعة مساءً. كان يحمل كيساً بلاستيكياً شفافاً، فيه علبة أدوية وقطعة كعك جبن من المخبز الذي تحبه. لم يعد يملك رفاهية التنسيق؛ كان يظن أنه سيصلح الأمر خلال يومين، لكن مر أسبوع وهي لم تفتح أي رسالة، ولم ترد على أي اتصال.
توقف عند باب العمارة. كان يعرف شرفتها من الخارج، لكنه لم يدخل البناية قط. لورا كانت دائمة التذمر من أن عمارتها "متاهة" و"جميع الأبواب متشابهة". ضحك يومها على كلامها، أما الآن فتمنى لو سألها عن الطابق الصحيح.
كانت تعيش في الطابق الرابع، هكذا تذكر. أو ربما الخامس؟ لم يعد متأكداً.
صعد الدرج الحجري البارد. إضاءة السلم خافتة، ورياح الخريف تتسلل من كوة مكسورة. في الطابق الرابع، نظر إلى البابين المتقابلين: كلاهما بني، وكلاهما يحمل جرساً لا يعمل. اختار الباب الأيمن، ودق برفق.
انتظر. لم يفتح أحد.
دق مرة أخرى بقوة أكبر، ثم سمع حركة خفيفة بالداخل. انفتح الباب قليلاً بقدْر سلسلة الأمان، وظهرت امرأة مسنة ترتدي رداءً صوفياً ممزقاً من الكم. نظرت إليه بعينين زرقاوين جاحظتين، ثم إلى كيس الدواء والكعك، ثم قالت بصوت أجش:
– لو كنت جاي تبيع، أنا ما عندي مصاري.
خفت صوتها تدريجياً وهي تنظر إلى حذائه الرياضي المتسخ. شعر أندريه بالغباء وهو يقف هناك، في الثالثة والثلاثين من عمره، يحدق بامرأة غريبة كأنها أتت من فيلم قديم. سألها بتردد:
– آسف... هل هذه شقة لورا؟ لورا كرام؟
ضحكت المرأة ضحكة قصيرة وجافة.
– لورا تعيش فوقي. طابق خامس. وهذي شقتي أنا، ومحدٍ يسميها لورا.
أغلقت الباب بهدوء، تاركة أندريه في الظلام.
وقف مكانه للحظة، يحاول تهدئة نبضات قلبه السريعة. لماذا لم ترد عليه لورا كل هذا الوقت؟ وماذا سيقول لها حين يطرق بابها؟ هل سيبدو متوسلاً؟ هل سيبدو غاضباً؟
صعد الدرج إلى الطابق الخامس. باب واحد فقط هنا، عليه ملصق صغير لقطط ملونة. هذا أكيد بابها. سمع منها صوتاً بالداخل: مقطوعة بيانو خافتة، تتوقف فجأة ثم تعود. كان يعرف هذه العادة؛ كلما كانت متوترة، كانت تعزف نفس المقطوعة القصيرة مراراً.
تنفس بعمق ودق الباب. لم يفتح. دق ثانية، ثم ثالثة.
فتحت لورا الباب أخيراً. كانت تلبس سروالاً رمادياً فضفاضاً وقميصاً قديماً عليه بقعة قهوة. شعرها مربوط على عجل، وعيناها منتفختان قليلاً. لم تقل شيئاً، فقط نظرت إلى الكيس في يده.
امتد الصمت لثوانٍ ثقيلة. قال أندريه بصوت منخفض:
– كنت خائفاً أن أطرق الباب الخطأ مرة ثانية. جارتك بالأسفل تشبهك في العند.
لم تبتسم. لكنها لم تغلق الباب أيضاً.
– هل تعلم كم مرة حاولت الاتصال بك في الأيام الماضية؟ – سألته، وصوتها يرتجف قليلاً. – أربع مرات في اليوم الأول. مرتين في اليوم الثاني. ثم توقفت فجأة. هل هجرت فكرة البحث عني، أم أن كبرياءك منعك من المحاولة؟
أجاب أندريه بسرعة:
– توقفت لأن رسائلي كانت تصل ولا تردين. والاتصالات تدخل إلى الصوتية مباشرة. ظننت... لا أعرف ماذا ظننت.
– ظننت الأسوأ، مثل كل مرة. – قاطعته لورا بحدة. – ظننت أنني أتجاهلك عمداً. بينما هاتفي تعطل تماماً قبل أسبوع. وكنت أنتظرك أن تأتي وتسأل عني، بدلاً من أن تغضب وتختفي أيضاً.
ساد صمت جديد، لكنه لم يكن صمت خصام هذه المرة. كان صمت اعتراف ضمني بأن كليهما أخطأ. هو بانفعاله، وهي بتصلبها.
رفع أندريه الكيس نحوها قليلاً.
– هذا لك. الدواء الذي كنت تطلبينه، والكعك الذي يهدئ أعصابك. أو على الأقل يهدئ أعصابي.
نظرت لورا إلى الكيس، ثم إليه. تأرجح تعبير وجهها بين الغضب الباقي وحزن قديم. قالت بصوت أخفض:
– لماذا لم تأتِ من البداية؟ كنت على بعد سبعة أيام فقط.
– كنت خائفاً. – اعترف أندريه بسهولة غير معتادة. – خائفاً أن أكون ثقيلاً عليك. خائفاً أن أجد باباً مغلقاً آخر.
لحظة صمت. ثم تنهدت لورا وفتحت الباب أوسع.
– تعال إلى الداخل. لكن لا تلمس البيانو. ما زلت غاضبة قليلاً.
ابتسم أندريه للمرة الأولى منذ أسبوع، وقال وهو يعبر العتبة:
– أنا أيضاً.
– أعرف. – قالت وهي تغلق الباب خلفهما. – هذا أسوأ ما فينا.

تعليقات
إرسال تعليق