ق .ق.ج طفولة ضائعة _ ماهر اللطيف
1/ طفولة ضائعة
بقلم:ماهر اللطيف /تونس
اقترب منّي طفلٌ صغير يتسوّل.
توسّلني بإلحاح،
وأعاد طلبه مرارًا.
قال إنّه جائع،
عطشان،
ومتعب من الفقر والحاجة.
سألته عن عائلته،
ودراسته،
ومكان إقامته…
لكنّه لم يُجب.
فرّ هاربًا.
تبعته بنظري أولًا،
ثم لحقت به.
كان يعترض المارّة واحدًا تلو الآخر؛
ينجح مع البعض،
ويفشل مع الأغلبية.
راقب المكان بحذر،
ثم دخل خِربةً مهجورة مسرعًا.
هناك،
كان أطفالٌ آخرون
يصطفّون أمام رجلٍ قاسِ الملامح،
يعدّون له النقود،
ويسلّمونه
مدخول اليوم.
2/ التحدّي
بقلم:ماهر اللطيف /تونس
منعته من استعمال الجوّال خلال فترة الامتحانات… فغضب.
حرمته من الحاسوب… فامتثل.
نظّمتُ وقته الدراسي… فاستجاب.
راجع دروسه باهتمام،
وأنجز تمارينه بصبر،
واستعان بي كلّما تعثّر.
ضحّى براحته،
وقاوم رغباته الصغيرة،
وأصرّ على المواصلة.
كنتُ أعلم أنّ ابني تلميذٌ متوسّط،
وربّما أقلّ من ذلك بقليل…
لكنّه فاجأني،
ونجح بامتياز.
3/ ضريبة التعصّب
بقلم:ماهر اللطيف /تونس
رافقني ابني إلى الملعب.
شجّعنا فريقنا كبقية المشجّعين.
غنّينا،
ورقصنا،
وهتفنا،
ولمنا،
وشتمنا…
ثم انهزم فريقنا هزيمةً مذلّة.
غزت القوارير أرضيّة الميدان،
وتطايرت القطع النقدية والحجارة،
وامتلأت المدرّجات بالصراخ والشتائم وإلقاء اللوم على الجميع.
فجأة،
التقط ابني حجرًا صغيرًا
ورماه نحو الملعب.
أصاب أحدهم في رأسه،
فسال دمه.
تجمّدتُ في مكاني.
اختنق صوتي،
وثقل جسدي،
وأدركت متأخرًا
أنني كنت أعلّمه التعصّب
منذ صافرة البداية.
ولذلك،
بدل العودة إلى المنزل،
اتجهنا معًا نحو مخفر الشرطة
لنتحمّل تبعات ما اقترفناه
4/ الذنب
بقلم:ماهر اللطيف /تونس
ضبطه المراقب يغشّ في الامتحان.
أنكر فعلته،
وادّعى أنّها مكيدة.
بكى،
وصاح،
وأثار الفوضى داخل القسم.
تدخّل المدير لاحتواء الإشكال،
لكنّ بقية الممتحنين فقدوا تركيزهم.
تأفّفوا،
وشكوا حظّهم،
ثم واصلوا الإجابة بصمتٍ مثقل.
حضر والده غاضبًا،
مزمجرًا،
يُلقي اللوم على الجميع.
لكنّ الطفل،
وأمام ذلك الضجيج كلّه،
اعترف أخيرًا بذنبه…
بينما كان زملاؤه
قد دفعوا مسبقًا ثمنه.
5/ نميمة...
بقلم:ماهر اللطيف /تونس
اقتربتُ منهما.
نهيتُ عراكهما،
وفضضتُ اشتباكهما الصغير.
قبّلتُ الطفلين،
وأصلحتُ ذات البين بينهما.
دقّ جرس المدرسة،
فأسرع كلٌّ منهما إلى محفظته،
يحملها فوق ظهره.
ابتسمتُ مطمئنًّا،
وحمدتُ الله على نجاحي…
أو هكذا ظننت.
في الساحة،
اشتعلت النيران بينهما من جديد.
هذه المرّة،
لم يحمل زملاؤهما الماء،
بل حملوا الكبريت والولّاعات.

تعليقات
إرسال تعليق